محمد الريشهري

66

موسوعة العقائد الإسلامية

ومن أقدم الّذين طرحوا مسألة اختيار الإنسان وحرّيته في العهد الأموي ودافعوا عن هذه العقيدة ، رجل من أهل العراق يُدعى معبد الجهني ، وآخر من أهل الشام عُرف باسم غيلان الدمشقي . وكان هذان الرجلان يُعرفان بالصدق والاستقامة والإيمان . فخرج معبد مع ابن الأشعث وقُتل على يد الحجّاج ، كما قُطعت أطراف غيلان بأمر هشام بن عبد الملك ، ثمّ قُتل شنقاً وذلك بعد أن بلغت عقائده وأقواله مسامع هشام . جاء في كتاب تاريخ علم الكلام لشبلي نعمان : رغم أنّ جميع العوامل والأسباب كانت مهّيأة للاختلافات بين العقائد ، ولكنّها كانت منذ البدء نتيجة طبيعة سياسة أنظمة الحكم ومقتضياتها ، ولمّا كان القتل وسفك الدماء شائعين في عهد الامويّين ، فقد كانت النفوس مستعدّة للثورة بطبيعة الحال ، ولكنّ أنصار نظام الحكم كانوا يتذرّعون بالتقدير كلمّا نطق أحد بكلمة شكوى ، فكانوا يسكتونه بأنّ ما يحدث هو مقدّر ومرضي من قبل اللَّه ، ولا يصحّ الاعتراض عليه بأيِّ حالٍ من الأحوال ( آمنّا بالقدر خيره وشرّه ) . وقد عاش معبد الجهني في عهد الحجّاج ، وكان من التابعين ، وكان شجاعاً وصادقاً للغاية ، واتّفق ذات يوم أن سأل أستاذه الحسن البصري : ما مدى صحّة مسألة القضاء والقدر الّتي يطرحها بنو اميّة ؟ فقال : هم أعداء اللَّه ، وهم كاذبون . « 1 » وطرَحَ أتباعُ أهل البيت عليهم السلام في مقابل هذا التحريف وهذه المؤامرة الخطيرة الّتي كانت تهدّد فلسفة رسالة الأنبياء وأساس الإسلام ، العدلَ الإلهي بمعناه الصحيح إلى جانب التوحيد ، باعتباره أحد أصول الدين ، بمعنى أنّ إنكار العدل في الحقيقة إنكار للإسلام ، وأنّ الإسلام دون العدالة يعادل الإسلام دون الإسلام نفسه .

--> ( 1 ) . انسان وسرنوشت ( الإنسان والمصير « بالفارسيّة » ) : ص 44 - 45 .